أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
352
العقد الفريد
بالجنة ، فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم أفضل منه . قال : يا إسحاق ، أيّ الأعمال كانت أفضل يوم بعث اللّه رسوله ؟ قلت : الإخلاص بالشهادة . قال : أليس السبق إلى الإسلام ؟ قلت : نعم . قال : اقرأ ذلك في كتاب اللّه تعالى يقول : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ « 1 » ، إنما عنى من سبق إلى الإسلام ، فهل علمت أحدا سبق عليّا إلى الإسلام ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم ، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم . قال : أخبرني أيهما أسلم قبل ، ثم أناظرك من بعده في الحداثة والكمال . قلت : عليّ أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة . فقال : نعم ، فأخبرني عن إسلام عليّ حين أسلم : لا يخلو من أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دعاه إلى الإسلام ، أو يكون إلهاما من اللّه ؟ قال : فأطرقت ؛ فقال لي : يا إسحاق ؛ لا تقل إلهاما فتقدّمه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأنّ رسول اللّه لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل عن اللّه تعالى . قلت : أجل ، بل دعاه رسول اللّه إلى الإسلام . قال : يا إسحاق فهل يخلو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر اللّه أو تكلّف ذلك من نفسه ؟ قال : فأطرقت ، فقال : يا إسحاق ، لا تنسب رسول اللّه إلى التكلف ؛ فإن اللّه يقول : وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ « 2 » . قلت : أجل يا أمير المؤمنين ، بل دعاه بأمر اللّه . قال : فهل من صفة الجبار جل ثناؤه أن يكلّف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم ؟ قلت : أعوذ باللّه ! فقال : أفتراه في قياس قولك يا إسحاق : « إن عليا أسلم صبيّا لا يجوز عليه الحكم » قد كلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون ، فهو يدعوهم الساعة ويرتدّون بعد ساعة ، فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول عليه السلام ، أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى اللّه عزّ وجلّ ؟ قلت : أعوذ باللّه ! قال : يا إسحاق ، فأراك إنما قصدت لفضيلة فضّل بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليّا على هذا الخلق ، أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ، ولو كان
--> ( 1 ) سورة الواقعة الآية 10 . ( 2 ) سورة ص الآية 86 .